التدريس في جامعة الشارقة
المحاضرة الأولى
في أوّل محاضرة ألقيتها في جامعة الشارقة، استعددت لأسبوعين. كانت الشرائح دقيقة، والأمثلة مصقولة، والإيقاع مضبوطاً بالدقيقة. دخلت قاعة المحاضرات، وواجهت ثلاثين طالباً نشأوا مع هواتف ذكيّة في جيوبهم وشيفرة في مناهجهم منذ المدرسة الثانويّة، وألقيت ما حضّرته. لم يكن الصمت في النهاية فهماً؛ بل كان صبراً. كان الطلّاب ينتظرون أن أنهي ليطرحوا الأسئلة التي لم تتوقّعها المحاضرة.
علّمتني تلك المحاضرة الأولى شيئاً عزّزته كلّ محاضرة لاحقة: التدريس ليس نقل محتوى مُحضَّر. بل فنّ الاستجابة لما يحتاجه الطلّاب فعلاً في اللحظة، وهو تقريباً أبداً ليس ما حضّرته. التحضير يهمّ — لا تستطيع الارتجال لما لا تفهمه بعمق — لكنّ الإلقاء يجب أن يكون محادثة لا تلاوة.
مسؤوليّة المنصّة
الوقوف أمام الطلّاب يحمل مسؤوليّة لم أقدّرها بالكامل حتّى علّمت لعدّة سنوات. الطلّاب في الغرفة يتّخذون قرارات — حول مسيرتهم، وعلاقتهم بالتكنولوجيا، وما إذا كانوا ينتمون إلى هذا المجال — ستُشكّل الأربعين سنة القادمة من حياتهم. المُحاضِر الذي يؤثّر في تلك القرارات، حتّى بشكل هامشيّ، يشارك في ذلك التشكيل. التأثير ليس اختياريّاً؛ السؤال الوحيد ما إذا كان متعمّداً.
الطالب لا يتذكّر المحاضرة. يتذكّر اللحظة التي عامل فيها الأستاذ سؤاله كأنّه يهمّ. تلك اللحظة، التي لا تكلّف الأستاذ شيئاً، هي أحياناً اللحظة التي يقرّر فيها الطالب أنّه مهندس.
ما تعلّمته عن التعلّم
علّمني التدريس عن التعلّم أكثر من أيّ دورة أخذتها. الطالب الذي لا يستطيع فهم العوديّة رغم ثلاثة شروح لا يفشل في التعلّم؛ بل يكشف أنّ الشروح تفترض أساساً لا يملكه. الطالب الذي يحلّ المشكلة فوراً لا يُظهر إتقاناً؛ بل يُظهر أنّ المشكلة كانت سهلة جداً. معايرة التدريس إلى مستوى الغرفة الفعليّ، لا المفترض، مهارة تستغرق سنوات ولا تتوقّف عن التطوّر.
- أفضل أسئلة الامتحان هي تلك التي تجعلك غير متأكّد ما إذا كنت علّمت المادّة بشكل جيّد بما يكفي — لأنّها تختبر الفهم لا الاسترجاع.
- أفضل الساعات المكتبيةّة هي تلك التي تتعلّم فيها بقدر ما يتعلّم الطالب، لأنّ السؤال الذي يطرحه يكشف افتراضاً لم تكن تعرف أنّك تتبنّاه.
- أفضل الواجبات هي تلك التي يحبّها بعض الطلّاب ويكرهها بعضهم، لأنّها تتطلّب نوع تفكير ليس كلّ أحد مستعدّاً له، وهذا صادق.
- أفضل تغذية راجعة محدّدة وطيّبة وصادقة، بهذا الترتيب، لأنّ التحديد بلا طيبة قسوة والطيبة بلا تحديد عديمة الفائدة.
هدّيّة الشارقة الخاصّة
للتدريس في جامعة الشارقة ملمس لن يكون له لو علّمت في مكان آخر، لأنّ الهيكل الطلابيّ يمثّل تقارباً من الخلفيّات لم أواجهه في أيّ فصل آخر. طلّاب إماراتيّون تخرّجوا من نظام يتحدّث بسرعة. طلّاب دوليّون من أنحاء العالم العربيّ وجنوب آسيا، يحملون تقاليد تعليميّة مختلفة وعلاقات مختلفة بالسلطة. طلّاب محوّلون من برامج مهنيّة يجلبون مهارات عمليّة وفجوات نظريّة. التنوّع ليس تحدّياً يجب إدارته؛ بل مورداً يجب الاستفادة منه.
الطلّاب يُعلّمونني عن المنطقة، وعن طموحات جيل يبني مستقبل التكنولوجيا في الخليج، وعن الافتراضات التي أحملها من تعليمي الخاصّ وهي ليست عامّة. كلّ فصل دراسيّ، أغادر القاعة مهندساً أفضل وشخصاً أكثر تواضعاً ممّا دخلتها. التدريس ليس نشاطاً جانبيّاً لبحثي؛ بل تعاوناً مع الجيل القادم، والتعاون يُثرى الطرفين. فرحة مشاهدة طالب كافح طوال الفصل يقدّم مشروعاً نهائيّاً يتجاوز ما اعتقد أنّه ممكن — تلك الفرحة هي سبب تدريسي، ولم تتراجع أبداً.
خلدون سنجاب
مطور برمجيات وباحث في علوم الحاسوب وأكاديمي في جامعة الشارقة، مع أكثر من 20 عامًا من الخبرة في هندسة البرمجيات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. شغوف ببناء أنظمة تربط بين البحث الأكاديمي والتأثير العملي.
مقالات ذات صلة
الوصول إلى الشارقة: الانطباعات الأولى
أسابيعي الأولى في الإمارات — صدمة الثقافة ودفء الناس والشعور المفاجئ بالعودة إلى الوطن.
توجيه المطورين الشباب في الإمارات
دروس من سنوات من توجيه طلاب علوم الحاسوب والمهندسين المبتدئين — ما الذي يساعدهم حقاً على النمو.